تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

29

نظرية المعرفة

وإنّما الموجود هو الواحد المنطبق على الموجود الواحد . وأمّا الاثنان ، فإنّما ينتزعها العقل من ضم واحد إلى واحد آخر ، وهكذا بقية الأعداد . وليس وراء الواحدين مصداق آخر للاثنين ، وإلّا لزم أن يكون كلُّ اثنين ثلاثة : اثنان هما الواحدان ، والثالث شيء آخر يسمى باسم الاثنين . فللإنسان علم بالأرقام ، ومع ذلك ليس علمه بها رهن اتّصاله بالخارج . ومثل الرقم ، الخط والنقطة والسطح . فالنقطة هي آخر الخط ، والخط هو آخر السطح ، والسطح آخر الجسم ، وهي كلها أُمور ينتزعها الذهن بعملياته الفكرية ، ولا تحقق لها في الخارج . وذلك لأنّ النقطة هي الجزء غير المنقسم من الخط ، والخط هو الجزء غير المنقسم من السطح ، والسطح هو الجزء غير المنقسم من الجسم . والجزء غير المنقسم لا خارجاً ولا عقلًا ، الّذي يعبر عنه بالجزء الّذي لا يتجزأ ، غير موجود في الخارج ، وقد أقاموا براهين على امتناعه أوضحها أنّ هذا الجزء المفروض أنّه غير منقسم إمّا شرقه غير غربه ، وجنوبه غير شماله ، أو لا . فعلى الأول يتجزّأ عقلًا ، وعلى الثاني يلزم عدم كونه موجوداً ، ويساوق كونه معدوماً . وهناك براهين أُخر يرجع إليها في محلها . « 1 » ونكرر هنا ما تقدم من أنّ هذه المفاهيم الّتي يصنعها الذهن في محيطه ، وإن كانت غير موجودة في الخارج ، ولم يصل إليها الذهن من طريق الحواس الظاهرة ، غير أنّه لولا صلة الذهن بالخارج ، لما كان قادراً على تصوُّر المعدومات والمحالات ، وقد تقرر في الفلسفة الإسلامية أنّ العلوم الحسية تعطي النفس قدرة وخلّاقيّة لصنع تلك المفاهيم وانتزاعها وإدراكها . * * *

--> ( 1 ) . بإمكانك أن تلاحظ شرح المنظومة ، لناظمها ، غرر في إبطال الجزء الّذي لا يتجزّأ ، ص 222 - 227 ، من قول الحكيم السبزواري : تَفَكُّكُ الرَّحى ونَفْيُ الدائرة * وحُجَجٌ أُخرى لديهم دائرة مُبْطِلَةُ الجواهِر الأَفرادِ * في واجبِ القَبولِ للأبعَادِ ولاحظ أيضاً : كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ، للعلّامة الحلي ، الأُمور العامة ، الأصل الخامس ، أدلّة المثبتين والنافين للجوهر الفرد . وهذا الكتاب نقوم بتحقيقه ، فأسأل اللَّه تعالى التوفيق لإتمامه .